البغدادي
401
خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب
وقال الإمام المرزوقي : « ومقعد - وإن كان مختصا في الأمكنة - جائز أن يكون ظرفا ؛ لانتقاله عن بابه إلى معنى القرب ، كما أن مقعد الإزار ومقعد القابلة منقولان إليه وجعلا ظرفين ، وكما أن مناط الثريّا ومزجر الكلب نقلا إلى معنى البعد والإهانة وجعلا ظرفين » . وقال السيرافي : « اعلم أن هذا الباب ينقسم قسمين : أحدهما يراد به تعيين المنزلة من بعد أو قرب ، والآخر يراد به تقدير القرب والبعد . فأما ما كان من ذلك يراد به تعيين الموضع وذكر المحلّ من قرب أو بعد فإنه يجوز فيه النصب على الظرف والرفع على خبر الأول تشبيها ؛ والأكثر فيه النصب . ويدلّك على ذلك أنه تدخل الباء عليه فتقول : هو منّي بمنزلة ، كأنه قال : هو مني استقرّ بمنزلة - والباء وفي بمعنى واحد - و : هو منّي بمزجر الكلب : إذا أردت هو مهان مباعد . فإذا نصبت فالناصب استقر ، وإذا رفعت فقلت : هو مني مقعد القابلة جعلته بمنزلة قولك : هو قريب كمقعد القابلة ، فإن قلت : هو مني مناط الثريّا فكأنك قلت : هو بعيد . وجاز أن تكون هذه الأشياء ظروفا ، لأنّهم قد اتسعوا فيما هو من الأماكن أخصّ من هذه فجعلوه ظرفا ونصبوه - كقولهم : ذهبت الشام ، ودخلت البيت - تشبيها بالأماكن المحيطة كخلف وقدّام . قال سيبويه : إنما يجوز هذا فيما تستعمله العرب ظرفا من هذه الأماكن ، ولا يجوز القياس عليها » ا . ه . وهذا البيت من قصيدة مشهورة لأبي ذؤيب الهذليّ يرثي بها أولاده ، عدتها اثنان وستون بيتا ، مطلعها « 1 » : ( الكامل ) أمن المنون وريبها تتوجّع * والدّهر ليس بمعتب من يجزع ومنها : أودى بنيّ وأعقبوني غصّة * بعد الرّقاد وعبرة لا تقلع فغبرت بعدهم بعيش ناصب * وإخال أنّي لاحق مستتبع ولقد حرصت بأن أدافع عنهم * فإذا المنيّة أقبلت لا تدفع وإذا المنيّة أنشبت أظفارها * ألفيت كلّ تميمة لا تنفع
--> ( 1 ) الأبيات من قصيدة مطولة قالها في رثاء أولاده هي في جمهرة أشعار العرب ؛ وديوان الهذليين 1 / 1 - 21 ؛ وشرح أبيات المغني 2 / 207 - 208 ؛ وشرح شواهد المغني 1 / 262 ؛ والمفضليات ص 421 - 429 ؛ والمقاصد النحوية 3 / 393 - 398 .